نصر حامد أبو زيد

48

الاتجاه العقلي في التفسير

الانسان على الفعل ، وبين الايمان بقدرة اللّه الشاملة وإرادته النافذة ، ذلك الايمان الذي يعدّ أساس التوحيد المطلق عند أتقياء المسلمين . ولكن أبا الهذيل يظلّ - رغم ذلك - معترفا بأن المعرفة فعل انساني ، وأن القدرة - التي يمنحها اللّه للانسان - تتعلّق بهذه المعرفة . ومن شأن هذا التصور أن يؤدي - من جديد - إلى ما حاول أبو الهذيل الهرب منه ، بمعنى أنه يؤدي إلى ربط القدرة الإلهية الممنوحة للعبد بفعل من أفعال العبد هو المعرفة . وللخروج من هذا المأزق يضطر أبو الهذيل إلى القول بأن « المعارف ضربان : أحدهما باضطرار وهو معرفة اللّه عزّ وجل ، ومعرفة الدليل الداعي إلى معرفته ، وما بعدهما من العلوم الواقعة عن الحواس أو القياس فهو علم اختيار واكتساب » 9 وهو بذلك يقف موقفا وسطا بين جبرية جهم في المعرفة ، واختيارية غيلان الدمشقي . ولكن جبريته في معرفة اللّه عن طريق اعتبارها معرفة ضرورية يعدّ أمرا غريبا ، ولكنه من جانب آخر يكشف عن ذلك التصادم بين أهم مبدأين من مبادئ المعتزلة ، وهما « العدل » و « التوحيد » « فبينا كان من شأن اثبات الوحدانية الإلهية أن يفضي آخر الأمر إلى الإقرار بسلطة اللّه المطلقة على الكون ، كان فحوى قولهم أن الانسان خالق أفعاله هو الحدّ من هذه السلطة » 10 . وتزداد هذه المشكلة حدة عند كل من النظّام ( ت 230 ه ) والجاحظ ( ت 255 ه ) ، فقد أراد النظّام أن ينفي عن اللّه القدرة على الظلم والكذب وسائر القبائح ، وغالى في ذلك حتى أخضع الفعل الإلهي لقانون أخلاقي صارم جعله يقترب من أن يكون سبحانه مجبورا في أفعاله غير مخيّر . والغاية التي كان يسعى لها النظّام من اخضاع الفعل الإلهي للقانون الأخلاقي هي نفي مشابهته للبشر الذين يقع منهم الظلم ، ذلك « أن الظلم والكذب لا يقعان إلّا من جسم ذي آفة . . . فالواصف للّه بالقدرة عليهما قد وصفه بأنه جسم ذو آفة ، لأن القادر على شيء غير محال وقوعه منه فلو وقعا منه لدلّ وقوعهما منه على أنه جسم ذو آفة » 11 . غير أن نفي قدرة اللّه على فعل من الأفعال كان من شأنه أن يخلّ بمبدإ التوحيد الذي يسعى النظّام لتأكيده ، ولذلك كان على النظّام أن يؤكّد خيرية اللّه المطلقة في مواجهة الانسان الذي يتأتى منه الخير والشر . وليس من المستبعد - في هذه الحالة - أن يكون النظّام قد تأثر في أفكاره تلك بالأفكار المانوية التي قام بجهد كبير في مجادلة معتنقيها ومحاولة نفي قولهم بالاثنينية التي تفسّر وجود الشر والخير في العالم تفسيرا يسلّم بصدورهما عن قوتين متعارضتين . وكان من الطبيعي أن يخضع تأثر النظّام بهذه الأفكار لاتجاهات الفكر الديني الاعتزالي ، وأن يوظّف لخدمة مقولاته الأساسية وهي العدل والتوحيد . وما دام قد